
نحو رؤية اجتماعية جديدة في موريتانيا
إن الجدل الدائر حول قضية الأشخاص ذوي الإعاقة في موريتانيا ليس، في جوهره، جدلًا حول المساعدات أو الامتيازات أو الإعفاءات، وإنما هو جدل أعمق بكثير؛ إنه جدل حول الصورة التي نريد أن نضع بها الإنسان ذي الإعاقة داخل المجتمع: هل نضعه في موقع المحتاج الذي تستوجب حالته الرعاية الدائمة، أم في موقع المواطن الكامل الذي يمتلك من الحقوق والواجبات ما يمتلكه غيره، مع مراعاة ما تفرضه الإعاقة من خصوصيات؟
وهذا السؤال يستحق أن يُناقش بعيدًا عن الانفعال، لأن كل واحد من الطرحين يستند، في ظاهره، إلى قدر من الحقيقة؛ غير أن الخطر يبدأ حين يتحول جزء من الحقيقة إلى فلسفة شاملة تختزل الإنسان في جانب واحد من جوانبه.
أولًا: الطرح الذي يرى الشخص ذا الإعاقة من زاوية الضعف والحاجة
ينطلق هذا التصور من ملاحظة تبدو للوهلة الأولى بديهية: أنَّ الإعاقة قد تفرض على الإنسان قيودًا حقيقية، وأن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاجون إلى دعم إضافي لا يحتاج إليه غيرهم.
وهذا أمر لا يمكن إنكاره.
فالإعاقة البصرية قد تفرض احتياجات خاصة في الوصول إلى المعلومات والتنقل، والإعاقة الحركية قد تجعل الوصول إلى بعض الأماكن أكثر صعوبة، والإعاقة السمعية قد تستدعي وسائل تواصل مختلفة، كما أن بعض الإعاقات قد تتطلب رعاية مستمرة أو دعمًا كبيرًا.
ومن هنا نشأت فلسفة الرعاية التي ترى أن المجتمع والدولة يتحملان مسؤولية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير ما يحتاجون إليه من مساعدة.
وهذه الفلسفة ليست خاطئة في أصلها.
فالإنسان، في لحظات ضعفه، يحتاج إلى الجماعة، والدولة الحديثة لا تقوم فقط على مبدأ الحرية والمسؤولية، وإنما تقوم كذلك على التضامن الاجتماعي وحماية الفئات الأكثر عرضة للتهميش.
غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الحاجة إلى الدعم إلى تعريف كامل للإنسان.
فعندما يصبح الشخص ذو الإعاقة في المخيال الاجتماعي «عاجزًا» قبل أن يكون مواطنًا، و«محتاجًا» قبل أن يكون شريكًا، و«مستفيدًا» قبل أن يكون منتجًا، فإننا ننتقل من الرعاية إلى الوصاية.
وهنا تكمن المفارقة:
قد يكون المجتمع راغبًا في الرحمة، لكنه ينتهي إلى تكريس صورة العجز.
وقد يمنح الإنسان بعض حقوقه بدافع الشفقة، لكنه يسلبه، من حيث لا يشعر، جزءًا من استقلاليته وكرامته.
فالشفقة حين تكون استجابة إنسانية عابرة قد تكون فضيلة، لكنها حين تصبح نظامًا اجتماعيًا في النظر إلى فئة كاملة تتحول إلى مشكلة.
لأنها تقول ضمنيًا للشخص ذي الإعاقة:
«أنت مختلف، ولذلك نحن نقرر عنك، ونساعدك، ونحميك، ونحدد ما تستطيع وما لا تستطيع.»
وهذه أخطر نقطة في هذا الطرح.
فالإنسان لا يفقد إنسانيته بسبب الإعاقة، ولا يفقد أهليته المدنية لمجرد أنه يحتاج إلى بعض أشكال الدعم.
لكن هل ينبغي إسقاط فلسفة الرعاية بالكامل؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
ليس من الحكمة أن ننتقل من الإفراط في الرعاية إلى إنكار الحاجة إلى الرعاية.
فبعض الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاجون فعلًا إلى مساعدات مادية، وبعضهم يحتاج إلى أجهزة تعويضية، وبعضهم يحتاج إلى مرافق أو خدمات متخصصة، وبعضهم قد يحتاج إلى حماية اجتماعية مستمرة.
والقول بأن الشخص ذي الإعاقة «قادر» لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتركه يواجه وحده الحواجز التي لم يصنعها بنفسه.
إذن، المشكلة ليست في الرعاية، وإنما في اختزال الإنسان في حاجته إلى الرعاية.
الرعاية ينبغي أن تكون وسيلة للتمكين، لا بديلًا عن التمكين.
وهذه نقطة مركزية في أي فلسفة اجتماعية عادلة.
— -
ثانيًا: الطرح الذي يرى الشخص ذا الإعاقة إنسانًا كامل الحقوق والواجبات
الطرح الثاني ينطلق من مبدأ أكثر ارتباطًا بمفهوم المواطنة الحديثة.
فالشخص ذو الإعاقة ليس «نصف مواطن»، ولا شخصًا معفيًا من الحياة العامة، وإنما هو إنسان كامل الكرامة، له حقوق وعليه واجبات، وله قدرات يمكن أن تساهم في بناء المجتمع.
وهذا التصور يرفض أن تكون الإعاقة حكمًا شاملًا على الإنسان.
فالكفيف ليس «فاقد القدرة»، وإنما فاقد حاسة البصر، وهي مسألة مختلفة تمامًا.
والشخص الذي يستخدم الكرسي المتحرك قد لا يستطيع المشي، لكنه يستطيع التفكير والعمل والإبداع والإدارة.
والأصم قد لا يسمع، لكنه يستطيع التعلم والإنتاج والتواصل بوسائل أخرى.
وهنا يظهر خطأ فلسفي يقع فيه المجتمع كثيرًا: تحويل فقدان قدرة جزئية إلى حكم بالعجز الكلي.
وهذا خطأ في التفكير قبل أن يكون خطأ في التعامل.
فالإنسان مجموعة من القدرات المتنوعة، وليس قدرة واحدة.
وإذا فقد واحدة منها، فلا يعني ذلك أنه فقد الإنسان الذي بداخله.
من هنا تظهر فلسفة التمكين
فبدل أن يكون السؤال:
ماذا نعطي الشخص ذا الإعاقة؟
يصبح السؤال:
ماذا نحتاج إلى أن نزيل من أمامه حتى يستطيع أن يمارس قدراته؟
وهنا ينتقل مركز الاهتمام من الإنسان إلى البيئة.
فالطالب الكفيف الذي لا يجد كتابًا ميسّرًا ليس عاجزًا عن التعليم بالضرورة؛
بل قد يكون النظام التعليمي هو الذي عجز عن توفير الوسيلة المناسبة.
والشخص الذي يستخدم كرسيًا متحركًا ولا يستطيع دخول مؤسسة بسبب الدرج ليس بالضرورة عاجزًا عن المشاركة؛
ربما يكون المبنى هو الذي صُمم بطريقة تستبعده.
وهكذا نصل إلى فكرة اجتماعية وفلسفية بالغة الأهمية:
الإعاقة ليست دائمًا في الجسد وحده؛ فقد تكون في المجتمع حين يبني حواجز تجعل الاختلاف عجزًا.
ومن هنا فإن التمكين لا يعني أن نقول للشخص ذي الإعاقة: «أنت قادر، فاعتمد على نفسك».
بل يعني أن نقول له:
«أنت قادر، ولذلك علينا أن نزيل العوائق التي تمنع قدرتك من الظهور».
وهذا فرق جوهري.
— -
ثالثًا: أين تكمن المشكلة في الطرحين؟
إذا أردنا أن نكون منصفين، فإن كلا الطرحين يحمل جانبًا من الحقيقة.
الطرح الأول يذكرنا بأن المجتمع مسؤول عن حماية الإنسان حين يحتاج إلى الحماية والدعم.
والطرح الثاني يذكرنا بأن الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية، وأن الإعاقة لا ينبغي أن تتحول إلى هوية تلغي بقية قدرات الإنسان.
لكن كلا الطرحين يصبح خطرًا عندما يصل إلى درجة الإفراط فيه.
فالرعاية إذا تحولت إلى وصاية أنتجت التبعية.
والتمكين إذا تحول إلى شعار مجرد أنتج التخلي.
أن تقول للشخص ذي الإعاقة «سأفعل كل شيء من أجلك» قد تسلبه استقلاله.
وأن تقول له «أنت قادر على كل شيء، ولا تحتاج إلى أحد» قد تكون قسوة مقنعة بلغة إيجابية.
والحقيقة الإنسانية أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالإنسان القادر قد يحتاج إلى المساعدة، والإنسان المحتاج إلى المساعدة قد يكون قادرًا على العطاء.
وهذا ينطبق على الأشخاص ذوي الإعاقة كما ينطبق على غيرهم.
— -
رابعًا: ما الرؤية التي ينبغي أن نتبناها؟
الرؤية الأكثر توازنًا ليست في اختيار أحد الطرحين وإلغاء الآخر، وإنما في إعادة ترتيب العلاقة بينهما.
نحن بحاجة إلى:
رعاية بلا وصاية.
وتمكين بلا إهمال.
وحقوق بلا تمييز.
وواجبات بلا تجاهل للخصوصية.
ومساواة تراعي الاختلاف.
فالعدالة لا تعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن نعطي كل إنسان الوسائل التي تمكنه من الوصول إلى حقوقه وممارسة دوره.
وهنا يجب أن نفهم مفهوم التنوع البشري.
فالاختلاف ليس خللًا في النظام الإنساني، بل جزء من النظام نفسه.
وكما يختلف الناس في الطول واللغة والقدرات الجسدية والعقلية والمواهب، فإن الإعاقة أيضًا إحدى صور التنوع الإنساني.
ولذلك فإن الهدف الحقيقي ليس أن نجعل الشخص ذا الإعاقة نسخةً من الشخص غير ذي الإعاقة، وإنما أن نبني مجتمعًا لا تتحول فيه الاختلافات الطبيعية إلى أسباب للإقصاء.
— -
خامسًا: ماذا يعني ذلك بالنسبة لموريتانيا؟
إذا أردنا أن ننتقل من الجدل إلى الحل، فعلينا أن نعيد بناء قضية الإعاقة على خمسة مستويات.
1. على المستوى الفكري
يجب أن ننتقل من صورة:
«المعاق العاجز»
إلى صورة:
«المواطن المختلف في بعض قدراته، الكامل في إنسانيته وحقوقه».
وهذا يتطلب تغيير اللغة والخطاب والمفاهيم التي نستخدمها.
2. على المستوى القانوني
لا يكفي أن تكون الحقوق منصوصًا عليها.
يجب أن تكون قابلة للتنفيذ، وأن تكون هناك آليات واضحة للمساءلة، وأن يتحول الحق من نص قانوني إلى ممارسة يومية.
3. على المستوى الاقتصادي
لا يمكن الحديث عن دمج حقيقي إذا ظل الشخص ذو الإعاقة خارج سوق العمل.
نحتاج إلى الانتقال من سياسة الإعانات وحدها إلى سياسة الاستثمار في القدرات.
التكوين، والتأهيل المهني، وريادة الأعمال، والتوظيف، والتكنولوجيا المساعدة، كلها أدوات أكثر استدامة من الاعتماد على المساعدة وحدها.
4. على المستوى التعليمي
التعليم هو نقطة البداية.
فالشخص الذي يتعلم ويكتسب المهارات يصبح أكثر قدرة على الاستقلال والعمل والمشاركة.
ولهذا ينبغي أن يصبح التعليم الدامج مشروعًا وطنيًا حقيقيًا، لا مجرد شعار.
5. على المستوى الثقافي والاجتماعي
وهذا ربما هو أصعب المستويات.
لأن تغيير القانون أسهل أحيانًا من تغيير العقلية.
نحن بحاجة إلى أن يتوقف المجتمع عن رؤية الشخص ذي الإعاقة باعتباره موضوعًا للشفقة، وأن يبدأ في رؤيته باعتباره شريكًا في المجتمع.
— -
سادسًا: الاستشراف — أين نريد للشخص المعاق أن يصل؟
أعتقد أن مستقبل قضية الإعاقة في موريتانيا ينبغي أن يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن أن نسميها:
«مرحلة المواطنة المنتجة».
أي أن يكون الشخص ذو الإعاقة:
مستفيدًا من الحماية الاجتماعية حين يحتاج إليها،
ومستقلًا حين يستطيع الاستقلال،
ومنتجًا حين تتوفر له الفرصة،
ومشاركًا في صناعة القرار الذي يتعلق بحياته،
ومسؤولًا عن واجباته بقدر قدراته،
ومتمتعًا بحقوقه دون أن يضطر إلى إثبات إنسانيته في كل مرة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال الوطني من:
كم مساعدة قدمنا للأشخاص ذوي الإعاقة؟
إلى:
كم شخصًا منهم أصبح قادرًا على التعليم والعمل والإنتاج والمشاركة واتخاذ القرار؟
ومن:
كم شخصًا استفاد من الرعاية؟
إلى:
كم حاجزًا أزلناه من طريق المشاركة؟
وهذه ليست مجرد إعادة صياغة للأسئلة، وإنما إعادة صياغة للفلسفة كلها.
— -
وفي الختام
إن الشخص ذا الإعاقة لا ينبغي أن يُختزل في عجزه، كما لا ينبغي أن يُختزل في قدرته.
إنه إنسان كامل، له نقاط قوة ونقاط ضعف، وله احتياجات وقدرات، وله حقوق وعليه واجبات.
والإعاقة لا تلغي المسؤولية، كما أن المسؤولية لا تلغي الحاجة إلى التسهيلات والدعم.
ولهذا فإن الموقف الأكثر إنصافًا ليس أن نختار بين الرعاية والتمكين، وإنما أن نجعل الرعاية طريقًا إلى التمكين، والتمكين إطارًا لممارسة المواطنة.
فالمجتمع الذي يرى الشخص ذا الإعاقة عاجزًا دائمًا يظلمه، والمجتمع الذي يتجاهل حاجته إلى الدعم يظلمه أيضًا.
أما المجتمع الذي يقول له:
«لن أختزل إنسانيتك في إعاقتك، ولن أتجاهل احتياجاتك بسبب قدرتك، سأوفر لك ما تحتاج إليه، وأفتح أمامك ما تستطيع الوصول إليه، ثم أترك لك حق أن تختار، وأن تعمل، وأن تنتج، وأن تخطئ، وأن تنجح، وأن تكون مواطنًا كاملًا مثل غيرك»
فذلك هو المجتمع الذي انتقل فعلًا من ثقافة الشفقة إلى ثقافة الكرامة، ومن الرعاية إلى الشراكة، ومن الإقصاء إلى المواطنة.
وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام موريتانيا في المرحلة المقبلة:
ليس كيف نعيش مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما كيف نبني مجتمعًا لا يشعر فيه الإنسان ذو الإعاقة أصلًا بأنه يعيش على هامش المجتمع.
فهناك فرق هائل بين أن يكون للإنسان مكان يُمنح له، وَأن يكون له مكان يستحقه باعتباره إنسانًا ومواطنًا.
والهدف النهائي للدمج ليس أن نسمح للأشخاص ذوي الإعاقة بالدخول إلى المجتمع؛
بل أن نصل إلى مجتمع لا يحتاجون فيه أصلًا إلى طلب الإذن بالدخول.







